ابن عجيبة

353

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قلت : اجتمع القسم والشرط ، فذكر جواب القسم وأغنى عن جواب الشرط . والضمير في ( رأوه ) : يعود على النبات المفهوم مما تقدم من إحياء الأرض ، أو : على السحاب . يقول الحق جل جلاله : وَ اللّه لَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً عاصفة على ما نبت في الأرض من الزروع وسائر الأشجار ، الذي هو أثر رحمة اللّه ، فَرَأَوْهُ أي : ما نبت في الأرض ، مُصْفَرًّا يابسا لَظَلُّوا أي : ليظلون مِنْ بَعْدِهِ أي : من بعد اصفراره يَكْفُرُونَ ، ويقولون : ما رأينا خيرا قط ، فينسون النعم السابقة بالنقم اللاحقة . وهذه صفة أهل الغفلة ، وأما أهل اليقظة ؛ فيشكرون في أوقات النعم ، ويصبرون ويرضون في أوقات النقم ، وينتظرون الفرح بعد الشدة ، واليسر بعد العسر ، غير [ قانطين ] « 1 » ولا ضجرين . أو : ولئن أرسلنا ريحا ؛ لتعذيبهم ، فرأوا سحابة صفراء ، لأنّ اصفراره علامة على أنه لا مطر فيه ، لظلوا ، أي : للجوا من بعد ذلك على كفرهم وطغيانهم ؛ لانهماكم . قال البيضاوي : وهذه الآية ناعية على الكفار ، لقلة تثبتهم ، وعدم تدبرهم ، وسرعة تزلزلهم ؛ لعدم تفكرهم ، وسوء رأيهم ، فإن النظر السوي يقتضى أن يتوكلوا على اللّه ، ويلتجئوا إليه ؛ بالاستغفار ، إذا احتبس القطر عنهم ، ولا ييأسوا من رحمته ، وأن يبادروا إلى الشكر واستدامة الطاعة ، إذا أصابهم برحمته ، ولم يبطروا بالاستبشار ، وأن يصبروا على بلائه ؛ إذا ضرب زروعهم بالاصفرار ، ولم يكفروا نعمه . ه . قال النسفي : ذمّهم اللّه تعالى بأنهم ، إذا حبس عنهم المطر ، قنطوا من رحمته ، وضربوا أذقانهم على صدورهم ، مبلسين ، فإذا أصابهم برحمته ، ورزقهم المطر ، استبشروا ، فإذا أرسل اللّه ريحا فضرب زروعهم بالصفار ضجّوا ، وكفروا بنعمه ، وهم في جميع هذه الأحوال على صفة مذمومة ، وكان عليهم أن يتوكلوا على اللّه ، فقنطوا ، وأن يشكروا نعمته ويحمدوه عليها ، ففرحوا وبطروا ، وأن يصبروا على بلائه ، فكفروا . ه . وهذه حال من مات قلبه ، قال تعالى : فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى أي : موتى القلوب ، وهؤلاء في حكم الموتى ؛ فلا تطمع أن يقبلوا منك ، وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ أي : لا تقدر أن تسمع من كان كالأصم دعاءك إلى اللّه ، أو : لا يقدرون أن يسمعوا منك ، إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ، فإن قلت : الأصم لا يسمع ؛ مقبلا أو مدبرا ، فما فائدة التخصيص ؟ قلت : هو إذا كان مقبلا يفهم بالرمز والإشارة ، فإذا ولّى فلا يفهم ، ولا يسمع ، فيتعذر إسماعه بالكلية . قاله النسفي .

--> ( 1 ) في الأصول المخطوطة [ قانتين ] والمناسب ما أثبته .